محمد الغزالي
63
فقه السيرة ( الغزالي )
كان يعقوب حيّا يرزق ، له شيخوخته وتجربته وحكمته ؛ بل له نبوته ، وقد نظر يوما ما فلم يجد يوسف قريبا منه ؛ إنه فقده في أخطر فترات العمر ، فترة الصبا اللدن ، واليفاعة الغضة ، ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف ، فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف ، كما يتّقد المصباح في أعماء الليل المدلهم ، فلما التقى الابن بوالده بعد لأي ، رأى يعقوب ابنه نبيّا صدّيقا . . . لقد ولّى عبد اللّه ، وترك ابنه يتيما ، بيد أن هذا اليتيم كان يعدّ من اللحظة الأولى لأمر جلل ، أمر يصبح به إمام المصطفين الأخيار ، وما الأب والجد ، ما الأقربون والأبعدون ، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخّرة لإتمام قدر اللّه ، وإبلاغ نعمة اللّه من اصطنعه اللّه . [ عرضه على المراضع ] : أقبلت ( امنة ) على ابنها تحنو عليه في انتظار المراضع المقبلات من البادية ، يتلمسن تربية أولاد الأشراف ، والأعرابيات اللاتي يقصدن مكة لهذه الغاية هن طالبات رزق ويسار ، ولم يكن لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أب ترقب عطاياه ، أو غنى تغري جدواه ، فلا عجب إذا زهدت فيه المراضع وتطلّعن إلى غيره . وكانت ( حليمة بنت أبي ذؤيب ) من قبيلة ( بني سعد ) إحدى القادمات إلى مكة ابتغاء العودة برضيع تستعين على العيش بحضانته ، ولم يرض طموحها أول الأمر طفل يتيم ؛ إلا أنها لم تجد طلبتها ، واستحيت أن تعود صفر اليدين ، فرجعت إلى ( امنة ) تأخذ منها ( محمدا ) صلى اللّه عليه وسلم . وكانت البركة في مقدمه معها ، كانت سنواتها عجافا من قبله ، فامتنّ اللّه عليها بخير مضاعف : درّت الضروع بعد جفاف ، ولان العيش وأخصب ، وشعرت حليمة وزوجها وولدها بأن أوبتهم من مكة كانت باليمن والغنم ، لا بالفقر واليتم ، ممّا زاد تعلّقهم بالطفل وإعزازهم له . وتنشئة الأولاد في البادية ، ليمرحوا في كنف الطبيعة ، ويستمتعوا بجوّها الطلق وشعاعها المرسل ، أدنى إلى تزكية الفطرة ، وإنماء الأعضاء والمشاعر ، وإطلاق الأفكار والعواطف . إنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق صغيرة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها ، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش .